
كلام.. كلام.. بدون تفكير..
ذات المكان.. و شخص مختلف..
بينما كنت أحرر أحد كتاباتي على ( ماي لابتوب ) أتى شخص و جلس بجانبي على المقعد في مقهى ستاربكس.. كالمرة الماضية..
نظر إلى ما أكتب.. و بدون أي مقدمات.. سألني.. كيف تستطيع الكتابة باللغة العربية..؟؟
نظرت إليه.. و أجبته.. أهلاً..
ثم أوضحت له أنني أستخدم لوحة المفاتيح العربية.. و أشرت إلى صورة الهلال في أعلى شاشتي.. التي يتخذها جهاز الماك لتكون رمزًا للغة العربية في نظامه كما يعلم الكثير..
تعجّب و سألني إن كنتُ عربيًا..؟
أجبته بـ ( ـأكيد.. ) ( من الواضح إني بأكتب عربي يا فالح..!! )
بدأت تصرفات هذا الزائر الغريب تزعجني.. فقد استرسل في التحدث معي بكل أريحية و بلا أي إستئذان مسبق لأن يتناقش معي أساسًا.. قال لي أنه إيريتيري الجنسية.. و أنه يتحدث العربية و لكنه لا يتقن كتابتها.. فقد تعلمها صغيرًا و نسي الكثير منها.. بعدها بدأت أسئلته تتدخل فيما لا يخصه..
متى أتيت إلى الولايات المتحدة و لماذا..؟
و سألني عن جامعتي..؟
و أي تخصص أدرس..؟
سؤال وراء سؤال.. حتى أوقفته عند حده.. بكل أدب طبعًا..!!
إستأذنته.. ( لو سمحت.. أنا مشغول و أحتاج أركز في كتابتي.. )
ذهب و طلب مشروبه و رجع و جلس بجانبي.. حتى نودي باسمه.. فذهب لاستلام طلبه.. ( و أنا قرفان منّو مررررا..!! ) و عاد به و هو متحمّس.. أخذ رشفة.. و مرة أخرى..
عاد للتحدث إليّ و كأنني لم أقل له.. ( بالتزكين.. ) سبب طلبي بأن يتوقف عن الكلام ( إللّي ما يودّي ولا يجيب.. )
من أين أتيت؟ و كيف هي المملكة العربية السعودية؟
أجبته بجيدة.. و أنها بلاد جميلة.. تغيرت ملامح وجهه و بدأ يتكلم عما يعرفه عن السعودية ( أو ما يظن أنه يعرفه عنها.. ) فإعتقاده بالسعودية هو نفس إعتقاد الكثير ممن خانتهم وسائل الإعلام المختلفة التي لا تهدف لإصلاح مشاكل العالم.. بل لزيادتها بمشاكلٍ أكثر تعقيد و لغرس الجراثيم الفكرية في عقول الجهلاء كـ “ـالمسكين” الذي أزعجني بحديثه المُنَرفِز..
قال لي: كيف تقول جيدة و لا يوجد لديكم تعليم جيد؟
قلت له: لا يمنع ذلك أن تكون بلدًا جيدة..
و أضفت.. هنالك مشاكل في كل مكان.. فإن كانت أحد مشاكل بعض الأمريكان “اللامبالاة” لغيرهم، فأحد مشاكل المملكة أن تعليمنا “مزَفِّت..”
( أكرمكم الله.. )
قال لي أن خطأنا هو ربطِنا لديننا بتعليمنا..
اعترضت على كلامه.. فسألته: لماذا؟
قال لي أن كل أنظمتنا مبنية على الدين.. فمن المستحيل في هذه الحالة إعطاء كل مواطنٍ حقه..!!
لم أُرِد وصف جميع مشاكلنا في السعودية بتفاصيلها.. لأنني لم أفهم سببه العجيب الذي لا يمكن أن يكون صحيحًا.. فقررت أن أجيبه بأن كلامه خاطئ و أكتفي بأنني مسلمٌ سعودي.. ( غير إني ما أعرف مشاكلنا مزبوط أساسًا.. فليش أتكلم..؟!! )
و لكني وافقته حقيقة وجود مشاكلنا الكثيرة الصعبة في بلادنا.. ثم شرحت له بأن ديننا ليس سببًا لتلك المشاكل أبدًا.. بل أكبر سبب لنفس هذه المشاكل كلها هو التطبيق الخاطئ لتعاليم إسلامنا كما يحبه رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم.. التعاليم التي لا ترضى الظلم بأي شكل من الأشكال.. و الدين الذي يعطي لكل ذي حقٍ حقه..!!
أليس كذلك يا مسلمين..؟!!
حاوَل أن يثبت لي أن الدين لا يمكنه التماشي مع النظام.. و خص الحكومة في ذلك.. لأن حكومتنا كما نعلم تتخذ دين الإسلام نظامًا ليجري في عروق هذه البلاد الطيبة.. فقال لي أنه يمكن للدين أن يتواجد بين المتديّن و ربه.. و ليس له أن يتواجد بينه و وطنه..
فقلت له:
أولاً.. مشاكلنا لم تأتِ أو تبدأ من حكومتنا.. بل من أكبر مشاكلنا هو مما زال يتكاثر بسبب المسؤولين عن تسيير أمورنا نحن الشعب تحت قوانين الإسلام الواضحة في كتاب الله و سنة نبيه عليه الصلاة و السلام.. و الشعوب هم الذين بدأوا تلك المشاكل و هم من يجب عليهم حلها بدينهم الذي نسوه..
و ثانيًا.. كيف لك أن تقول أن الدين لا يتماشى مع الحكم؟ ألم تسمع عن دين الإسلام و عهده في اسبانيا؟
و ذكرت له أنني لا أعلم الكثير عنها.. و لكني أعلم أن أكبر إزدهارٍ لدين الإسلام بعد عهد النبي الكريم عليه الصلاة و السلام و أصحابه و التابعين هو عهد الإسلام في اسبانيا في تلك الثمانية القرون المشهورة..
أجابني بأنه لم يسمع بذلك بتاتًا.. فاقترحت له أن يقرأ قبل أن يحكم.. و لكنه رفض و قال لي أنه لا يحتاج إلى القرائة عن شيءٍ يفهمه من ينظر إلى ما يحدث حوله بدقةٍ و انتباه.. ففي رأيه أنه لا يمكن للدين أن يتماشى مع النظام (( البتة.. )) و أن هذا ما يتضح له مما يراه كل يومٍ أين ما كان و أين ما ذهب..
اتضح لي بأنني “صرفت” على هذا الشخص وقتًا هو فعلاً لا يستحقه.. و أنا مخطئٌ في تبذيري لهذا الوقت الذي كنت فعلاً أحاول أن أستفيد منه في كتابتي بشكلٍ كبير..
و لأن المزعج بدأ ( يلف و يدور.. فخلاص.. كدا يكفّي..!! )
قلت له ( أوكيه.. أحتاج أركز دحين.. ) و تركته..
عدت لكتابتي بدهشة عجيبة..
تعجبت لما يمكن للجاهل أن يفعله.. (( فقط..!! )) لهدف أن يتفوق على خصمه في محادثة يضايق بها من أراد الإنشغال بكتابة تفيده.. ( ماني فاهم ليش ما يقدر يسكت..!! )
كدت لا أصدق أنه (( كلمني مرة أخرى..!! )) و كان سؤاله هذه المرة: أأنت متدين؟
بقدرة قادر.. أذَّن جوالي بأذان العصر وقت سؤاله لي هذا السؤال العجيب..!! ياللمعجزة ( التي فعلاً أؤمن بأنها معجزة إنقاذية حقيقية من رب العالمين..!! )
ضَحِكَ أخينا و قال:
“Oh You Are..!! Hahahaha..!! You Don’t Look Religious..!!”
لم أرد عليه.. و لكنه عاد ليتكلم كالطفل..!! طفل مستحيل..!!
قال: السعوديون أغنياء في بلادكم.. لا يوجد لديكم فقراء..
قلت: أنا مشغول.. شكرًا..
قال: لا.. لا أقصد شيئًا.. فقط أردت قول أنه خاب ظني في السعودية..
I’m Disappointed
قلت: تحتاج إلى أن تقرأ قبل أن تحكم على أحد.. و أنا الآن مشغول و أحتاج إلى الهدوء.. شكرًا..
ضَحِكَ و ذهب في طريقه إلى خارج المقهى..
لا إله إلا الله.. محمد عبده و رسوله..

هل أستطيع لومه؟ أم لومنا نحن؟ نحن المسلمين.. نحن الذين لم نعطِ صورةً طيبةً لبلاد الحرمين.. بلادنا التي كان يجب أن تعلمنا جيدًا كيف نكون مُلِمِّين بعهود ديننا الحنيف مدار التاريخ و عصوره.. بلادنا التي كان يجب عليها الإهتمام بما يمكن أن نستفيد منه من تلك الثمانيةِ قرونٍ الثمينة في اسبانيا و في غيرها.. كي نستطيع إفحام الحاقد علينا من غير المسلمين.. و إعانة المحتاج لأموالنا التي لم نعرف سبب وجودها في أيدينا.. و تعليم الجاهل الذي لم يبنِ رأيه أو كلامه على أدلة موثوقة.. أو على الأقل.. منطقية..!!
أنا أتحدث عن حالنا اليوم يا أخواني يا مسلمين .. و ألوم نفسي أولاً و أخيرًا على تصرفاتي التي أندم عليها في هذا الموقف المفاجئ.. لأنها لم تُخرِجني بفائدة و لم تُخرِج هذا الشخص المقزز من خيبة أمله فينا نحن السعوديين كما ذكر.. فكان من الممكن أن أتوقف عن كتابتي و أشرحَ له ما هو الدين.. و ما هو النظام.. و كيف يمكن أن ننظر إليهما كوجهين لعملة واحدة.. ( على قولهم.. ) أو كما قال أحد الأساتذة الذين سمعتهم في إحدى المحاضرات هنا في كاليفورنيا.. فقد شبه الدين و الدنيا بقارورة الماء.. فشبه القارورة بالدنيا.. و غطائها بالدين.. و شعوب هذه الدنيا بالمياه التي يحفظها غطاء هذه القارورة.. فإن فُتِحَت القارورة و سقط الغطاء لتبخرت المياه و لم يعد للغطاء فائدة.. و لا للقارورة مياه لتحميها من الإنسكاب..!!
و لكنني لم أستطع فعل ذلك.. لم أستطع قول كلامٍ لم أفقه فيه شيء.. أو معلوماتٍ لم تهتمّ بها مدارسنا.. أو ثقافاتٍ نَسِيَتها شعوبنا و حضاراتنا.. أو تعاليمٍ لم تُذكَر لنا حقيقةَ وجودها في ديننا.. فقد كان أكبرُ سببٍ لسكوتي و اهتمامي بكتابتي في ذلك الوقت و في تلك اللحظات التي كانت ملحةً عليَّ بأن أسكت و أن أفكر في نفسي أولاً هو إيماني بجهلي عن هذا كله.. نعم.. أنا المحتاج لهذا العلم كله.. أنا الناقص هنا.. و ليس الضائع.. التائه.. المزعج.. الذي لربما لم يُقدَّم له الإسلام على طبقٍ من ذهب ( زي ما يقولو.. ) بل قُدِّمَ له بطيارتين تُسقِط مبنيين عظيمين.. و برجُلٍ يهدد أمريكا بتدميرها و إخفائها من على وجه الكرة الأرضية بين الحين و الآخر.. و بفُجَّرٍ يسافرون حول العالم للفحش بنساء الخلق أينما كانوا.. و بأي سعرٍ رَضَوا..!!
Speak Of Human Trafficking..!!
..
قد لا أكون أفضل كاتبٍ أو مدونٍ على الشبكة “الخنفسانية..”
و لكننى لا أحب أن يخيب أمل غيري فيَّ.. فأنا أحب ربي سبحانه و تعالى و رسولي صلى الله عليه و سلم و ديني و بلدي و أهلي و أصدقائي و أحبابي في كل مكان و في كل زمان.. و لم يكن من السهل عليّ أن أترك موقف هذا الإيريتيري في خيبة أمله منّا و ألا أكتب عنه.. و إن كان مزعجًا.. (( و هوّا كان “فـعـلاً” مزعج..!! )) و لكنه صادق و مصيب في كلامه.. أيننا عن نصرة ديننا.. فالكثير منّا نحن السعوديين لا يفقه الكافي من تعاليم الدين الإسلامي.. قد يكون الإيريتيريين أفقه منّا في ديننا كمسلمين..
و قد يظن البعض أنني أتحدث بعنصرية تجاه هذا الإيريتيري لسوء خلقه في التخاطب مع غيره..
و إن كان البعض فعلاً يتسائل بذلك.. (( لا و لم و لن و مافي و لأّا و مستحيل و غلط و ما يسير.. و قول تــم..!! )) أبدًا.. هدفي هنا هو النداء لحل مشكلة العنصريةِ في المملكة العربية السعودية.. فلا ننسى أنها مملكة “عربية” سعودية.. فمن الإيريتيريون من يتحدث العربية.. و الكثيرون منهم مسلمون.. و هم إخواننا في الله.. كغيرهم من المسلمين العرب حول مملكتنا الجميلة.. مصر و فلسطين و الكويت و قطر و اليمن و غيرهم.. المسلمون يجولون العالم في كل مكان كل يوم و ليلة.. و لكن الكثير منّا يعلم كمّ العنصرية في بلادنا.. و الكثير منّا ممن يسمع من يُهين غير السعوديين في ذالك المطعم أو تلك المحطة أو في هذه الشركة هنا و هناك.. للأسف.. أصبحت العنصرية أعمق من أن تكون دولية.. بل هي الآن فيما بين مدننا.. ( ذا جداوي و دا نجدي و هذا من الشرقية و إنتا من الجنوب و إنتي حُرمَة و هادي بنت..!!
لا أريد فتح بابٍ جديدٍ للإقصاء ليأخذ مساره في هذه التدوينة المحزنة.. فأنا فعلاً حزين.. و لكن ( ما فيـ ـاليد حيلة.. )
سامحوني..
..
